عبد الرحمن بدوي

224

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

قال أفلاطون : ودبر وارفق في عملك ولا تطلب سرعة الفراغ فيؤدى ذلك إلى أبعد البعد . قال أحمد : إن أكثر منتحلي هذا العمل - لحرصهم على سرعة الإدراك - ربما دبّروا التدبير الثاني قبل انقضاء الأوّل - فذلك مما يفسد ويبعد العامل عن الإدراك . قال أفلاطون : وهذا الفعل من أقوى ألم النفس . قال أحمد : قد كاد الفيلسوف في هذا الرأي أن يوافق السوفسطائيين ؛ وذلك أنه يرى أن الالتذاذ ألم للنفس ، إذ كان طالب الشئ قبل وقته ؛ والحزن أيضا في النفس هو طلب التخلص من الشئ قبل حينه . فطالب الشئ قبل حينه خارج من الاستواء ؛ وما كان كذلك فهو مؤلم للنفس . إلّا أن جنس الفرح مركبه الدم ، وجنس الحزن مركبه السوداء أو البلغم المالح . وهذا الرأي ليس مما يجب أن يخرّج في هذا الموضع ، إلّا أنه ما تمثّل به الفيلسوف [ 32 ا ] تكلمت به . قال أفلاطون : وإذا رفقت ودبرت تدبير العلماء سيّلت الجزء المخصوص بالنفس إلى أسفل ، وأصعدت المخصوص بالروح إلى العلو ، وثبّت المخصوص بالجسد في موضعه . قال أحمد : إنك إذا أدخلت العمل في القرعة المثقوبة الأسفل ، وأدخلت هذه القرعة في الأخرى ، ووضعت المثقب الذي وصفت لك ، ودبّرت بالحرارة الخفيفة الرطبة - لا حرارة الزبل - فإن ذلك يبطئ ولا يكاد ينفذ فيما يراد . وهو يعفن أيضا ويعكر ، بل الماء الحارّ سال الجزء الغالب عليه جوهر النفس مع الرطوبة . إذ قد أنبأت أنها - أعنى الرطوبة - متشبثة بالنفس فتسيل في الثقب وتتنخل ويصعد المخصوص بالروح رطبا سيّالا ؛ إلّا أنه يكاد يخالط الهواء للطافته ويبقى الجسد في موضعه وقد نزع منه القوى . فافهم ذلك ! قال أفلاطون : وإذا فرّقت هذا التفريق يكون المخصوص باسم النفس مركبا بالرطوبة ، والمخصوص بالروح مركبا بالجزء الموافق للهواء ، والجسد يابس قد غلب فيه جوهر الأرض .